فخر الدين الرازي

30

شرح الفخر الرازى على الاشارات

الا في الأجسام أو في الأمور الحالة في الأجسام فاما الذي لا نسبة له إلى شيء من الاحياز لا بذاته ولا بسبب محله فان انتقاله من حيز إلى حيز غير معقول ويظهر من هذا التحقق أنه لا يجوز أن يقال إن النفس الناطقة التي لنا محركة بالعرض عند حركة بدننا فان الحركة بالعرض هو ان يتبدل وضع الشيء أو موضعه بسبب تبدل وضع محله أو موضعه وإذا لم تكن النفس الناطقة حالة في الجسم أصلا استحال ذلك فيها ( إشارة [ في بيان أن المعلول الأول لا يمكن أن يكون جسما بل هو عقل مجرد ] الأول ليس فيه حيثيتان لوحدانيته فيلزم كما علمت أن لا يكون مبدأ الا لواحد بسيط اللهم الا بالتوسيط وكل جسم كما علمت مركب من هيولى وصورة فيتضح لك أن المبدأ الأقرب لوجوده عن اثنين أو عن مبدأ فيه حيثيتان ليصح أن يكون عنه اثنان معا لأنك قد علمت أنه ليس ولا واحدة من الهيولى والصورة علة للأخرى بالاطلاق ولا واسطة بالاطلاق بل يحتاجان إلى ما هو علة لكل واحدة منهما أولهما معا ولا يكونان معا عما لا ينقسم بغير توسط فالمعلول الأول عقل غير جسم وأنت فقد صح لك وجود عدة عقول متباينة ولا شك أن هذا المبدأ الأول في سلسلتها أو في حيزها العقلي ) التفسير الغرض من هذا الفصل بيان أن المعلول الأول عقل مجرد بيانه هو أنه قد ثبت في النمط الخامس أن الباري تعالى واحد في ذاته وماهيته منزهة عن التركيب من جميع الوجوه وثبت أن الشيء الذي يكون كذلك يستحيل أن يكون علة الا لشيء واحد اللهم الا بالتوسيط أي ان يكون هو علة لشيء ويكون ذلك الشيء علة لشيء آخر وإذا ثبت ذلك فنقول المعلول الأول لا يجوز أن يكون جسما لأنه ثبت في النمط الأول أن الجسم مركب من الهيولى والصورة وثبت هناك أيضا أنه لا يجوز أن تكون الهيولى علة للصورة أو تكون الصورة علة للهيولي وثبت أيضا أنه لا يجوز أن يكون واحد منهما واسطة مطلقة في وجود الأخرى بل هما محتاجان إلى علتين أو إلى علة واحدة ذات اعتبارين وإذا كان كذلك استحال صدورهما من اللّه تعالى لأنه تعالى ليس فيه تركيب أصلا حتى يكون مصدرا لهما وإذا استحال أن يكون اللّه تعالى علة لهما استحال أن يكون علة للجسم لأن علة لشيء المركب لا بد وان يكون علة أولا لاجزائه فإذا استحال كون اللّه تعالى علة للهيولي والصورة استحال أيضا كونه علة للجسم فثبت أن المعلول الأول ليس بجسم ولا هيولى ولا صورة فهو اذن جوهر مجرد وهو العقل وأما قوله بعد ذلك وأنت فقد صح لك وجود عدة عقول متباينة ولا شك أن هذا المبدع الأول في سلسلتها أو في حيزها العقلي فاعلم أن الغرض منه أنه قد مر الدلالة على اثبات العقول ولما ثبت بهذا الدليل أيضا وجود عقل لزم أيضا أن يكون هذا العقل في سلسلتها أي يكون هو أيضا من جملة العقول المحركة للافلاك على سبيل التشويق وان لم يكن كذلك فلا شك أنه يكون في حيزها العقلي أن يكون مشاكلا لها ومساويا لها في كونها موجودات ليست بأجسام ولا بجسمانية